الشيخ محمد رشيد رضا

8

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المراد منها . كذلك القبلة ليس في جعل جهة كذا قبلة فتنة واختبار للناس ، وانما الفتنة فيما ترتب على ذلك من حيث كونه صرفا عن قبلة إلى غيرها ، فالسفهاء والجهال الذين لا يفقهون ينكرون هذا التحويل ويرونه امرا إدّا ، والذين هداهم اللّه إلى فقه ذلك يرونه أمرا حكيما جدّا ، ولذلك قال تعالى ( وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) فمنحهم الاعتدال في الفكر والادراك وفي الميل والرغبة قاله الأستاذ الامام ثم قال ما مثاله موضحا : قوله تعالى ( لِنَعْلَمَ ) معهود في القرآن كثيرا ، ومثله ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) وقوله ( لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ ) والعقل والنقل متفقان على أن علمه تعالى قديم لا يتجدد ، وللمفسرين في هذه الالفاظ أقوال ذكر الأستاذ الامام أظهرها فقال ما مثاله : جرت عادة العرب في لغتها أن تنسب إلى الرئيس والكبير ما يحدث بأمره وتدبيره ، يقولون فتح الأمير البلد وقاتل الجيش . وكثيرا ما يقولون هذا والأمير ليس واحدا من العاملين ، فهو أسلوب معهود إذا أريد إسناد الفعل إلى الجمهور أسندوه إلى المقدم فيهم . ولما كان اللّه تعالى ولي الذين آمنوا وخاطبهم خطاب السيد صح بحسب هذا الأسلوب العربي أن يذكر الفعل بصيغة الجمع التي تشمل المتكلم وغيره وان كان غيره هو المقصود بالفعل ، فمعنى ( الا لنعلم ) الا ليعلم عبادي المؤمنون باعلامي إياهم . وقد علم المؤمنون في هذه الفتنة من هو الثابت على اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومن هو المنافق الذي قلبته ريح الشبهة على عقبيه ، وكان المنافقون مع المؤمنين بحيث لا يماز أحدهم من الآخر لقيامهم جميعا بأداء الاعمال الظاهرة المطلوبة . وهكذا كان سبحانه وتعالى يمحص ما في القلوب بما يبتلي به الناس من الفتن ( أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ) وعلى هذا الأسلوب جاء ما روي في الحديث القدسي « يا عبدي مرضت فلم تعدني ، وجعت فلم تطعمني ، وعطشت فلم تسقني » خرجوه على أن المراد مرض عبادي الفقراء الذين هم عيال اللّه « 1 » فلم تعدهم الخ نعم ان الرواية غير صحيحة ولكن لم يفهم أحد منها أنها على ظاهرها لقطع العقل

--> ( 1 ) اخذ الأستاذ هذا التفسير من الحديث المشتهر « الفقراء عيال اللّه » الخ وانما الرواية « الخلق عيال اللّه » وهو ضعيف السند